متى أبدأ ببناء حضور رقمي على لينكدان؟

بقلم:
أسماء الخالدي

يصلني هذا السؤال كل أسبوع تقريباً على الخاص، بنفس الصيغة:

متى أبدأ بصناعة المحتوى على لينكدان وهل أنا مؤهل لذلك أصلاً؟
وجوابي يفاجئ أغلب من يسأل، فدعني أقولها من أول سطر بلا تلطيف: لا ينبغي على الجميع أن يبدأ بصناعة حضور رقمي على المنصة. بل إنّ بعضكم لو بدأ اليوم ببناء هويةٍ رقمية، فسيضرّه ذلك أكثر مما ينفعه. والسبب ليس أنك لا تستحق، بل لأنّ التوقيت نفسه قد يكون هو المشكلة.
في أوّل مقالٍ ضمن نشرتي البريدية على لينكدان سأعطيك القاعدة التي تُخبرك أنت تحديداً: تبدأ الآن، أم تنتظر، أم أنك متأخّر أصلاً وعليك أن تتحرّك اليوم.
أنا أسماء الخالدي، مختصّة النموّ والتوسّع الرقمي للخبراء العرب المؤثّرين. تعال نفكّك السؤال معاً ونضعه ضمن واقعنا العربي.
في كتابه The Diary of a CEO يضع ستيفن بارتليت قاعدةً بسيطة تساعدنا في ترتيب الفوضى: كل قيمةٍ مهنية تملكها موزّعة على خمسة دلاء، بهذا الترتيب تحديداً:
الدلو الأول: ما تعرفه (معرفتك)
الدلو الثاني: ما تستطيع فعله (مهاراتك)
الدلو الثالث: من تعرف (شبكة علاقاتك)
الدلو الرابع: ما تملكه (مواردك)
الدلو الخامس: ما يظنه العالم عنك (سمعتك الشخصية)

والترتيب ليس عشوائياً: كل دلوٍ يملأ الذي يليه. المعرفة حين تُطبَّق تصير مهارة، والاثنتان معاً تبنيان لك قيمةً عند الناس فتتّسع شبكتك، والثلاثة تفتح لك الموارد، والأربعة مجتمعةً تصنع سمعتك. أي أنّ الدلو الخامس لا يمتلئ بالسكب المباشر فيه، بل بامتلاء ما قبله.
طيب، قبل أن نكمل مع بارتليت: تراثنا الإسلامي فهم هذا الترتيب قبله بقرون، وبدقّةٍ أعلى، تحت اسم «الإجازة العلمية». لم يكن أحدٌ يتصدّر لتدريس الناس قبل أن يُجيزه شيوخه (أي قبل أن يَثبت أنّ دلو معرفته ومهارته قد امتلأ فعلاً) التصدّر قبل الأهلية كان عيباً معرفياً صريحاً.
الدلوان اللذان لا يأخذهما منك أحد
هنا الملاحظة أحبّها أكثر من سواها:
الدلوان الأولان (المعرفة والمهارة) لا يستطيع أحدٌ أن ينتزعهما منك ولو أراد. أي يمكن لأزمة اقتصادية أن تُفرّغ مواردك. ويمكن لإشاعة أن تضرب سمعتك ولانتقالٍ لبلدٍ جديد أن يُصفّر علاقاتك من جديد.
ونحن، أبناء المنطقة العربية، نعرف هذا الكلام جيّداً، فقد مرّ الكثير منا بهجرات، وحروب، وأزمات تُعيد الناس إلى الصفر في العقود الماضية. لكن لاحظ المفارقة الجميلة: الدلوان اللذان لا يُؤخذان منك، هما نفسهما الدلوان اللذان يُعيدان تعبئة كل ما بعدهما من جديد. معرفتك ومهارتك ليستا أصلاً من أصولك المهنية فحسب، بل هما التأمين الوحيد لإعادة الضبط.
ولهذا فإنّ تحويل عمقك إلى سلطةٍ مرئية ليس ترفاً ولا استعراضاً؛ هو أكثر استثمار مهني أماناً يستطيع خبيرٌ عربي أن يقوم به. لأنه الاستثمار الوحيد الذي يبقى معك حين يرحل كل شيءٍ آخر.
الآن لنربط هذا بـ لينكدان
حين تكتب منشوراً، فأنت تشتغل على الدلو الخامس: ما يظنّه العالم عنك.
فإذا كان دلوا العلم والمهارة فارغين، وبدأت تسكب في الخامس مباشرةً، فأنت تسكب في دلوٍ مخروم: لا شيء تحته يسنده، وينكشف ذلك للجمهور أسرع مما تتخيّل.
لنتكلّم في الأرقام، وهي فقرتي المفضّلة:
في تقرير إيدلمان– لينكدإن لعام 2021، 15% فقط من صنّاع القرار يصنّفون المحتوى الفكري الذي يستهلكونه على أنه (جيد جداً أو ممتاز)، و71% منهم يقولون إنّ أقل من نصف ما يقرأونه يمنحهم رؤيةً حقيقية ذات قيمة. ترجمة هذا بلغتنا: السوق غارق بمن يحاولون ملء الدلو الخامس وما تحته فارغ. يعني القيمة الحقيقية لدى صنّاع المحتوى نادرة.
ثم الرقم الذي يجب أن يُقلق كل خبيرٍ عربي صامت:
العربية من اللغات الأربع الأولى عالمياً بعدد متحدّثيها (أكثر من 340 مليون)، لكن حصّتها من المحتوى الرقمي بحسب W3Techs (مايو 2026)، 0.6% فقط من المواقع التي تُعرف لغتها. وفي المحتوى المتخصص؛ الاستشارات، الطب، القانون، الإدارة، تتّسع الهوّة أكثر.
وهذا ما أسمّيه: فراغ السلطة المعرفية. فراغٌ يملؤه كل يومٍ من دلاؤهم شبه فارغة، بينما من امتلأت دلاؤهم يتفرّجون بصمت.
أنت واحدٌ من اثنين. اعرف أيّهما أنت
الحالة الأولى: دلوا معرفتك ومهارتك لا يزالان في بدايتهما
أي أنك لم تجمع بعد سنوات خبرةٍ حقيقية: لم تحلّ مشكلاتٍ صعبة بيدك، لم ترتكب أخطاءً دفعت ثمنها وتعلّمت منها، لم ترَ أرقاماً بعينك.
إن كانت هذه حالتك وبدأت تنشر اليوم بنبرة الخبير، فأنت ترسل للسوق إشارةً كاذبة سيكشفها عاجلاً. أقولها بوضوح: لا تبدأ بهذه النبرة.
لكن هذا لا يعني الصمت الكامل. فلو قلت لي أنّك تحبّ أن تبدأ النشر من الآن، فلن أقول لك: لا. إنّما سأدلُّك على طريق واحد: أن تنشر بوصفك متعلّماً، لا خبيراً.
بمعنى منشورات من نوع: «جرّبت هذا، وهذه نتيجتي»، «وقعت في هذا الخطأ، وهكذا صحّحته».
وهنا الفرق الدقيق الذي يحسم تناقضاً قد يخطر ببالك:
حين توثّق رحلتك بشكل واعٍ، فأنت لا تسكب في الدلو الخامس، بل تملأ الأول والثاني على الملأ. بمعنى أنك لا تستعير سلطةً لا تملكها؛ أنت تُري الناس عملك وهو يُبنى. الجمهور يحب المتعلّم الصادق ويمقت المدّعي. هذا النوع من المحتوى لن يبني لك سلطة الخبير، بل سيبني لك قصة النمو، وهي أصل مختلف، وجمهور مختلف.
الحالة الثانية: دلوا المعرفة والمهارة لديك فائضان منذ سنوات، وأنت صامت
عشر سنوات، خمس عشرة، عشرون سنة.. من المعرفة والحالات والقصص التي أستغربها أنا شخصياً من عملائي: كيف لم تجد طريقها للنور بعد؟ ودلوك الخامس فما زال فارغاً إلا من دائرةٍ ضيقة: عملاؤك وأصدقاؤك وزملاؤك ومن حولك. وهذه حالة معظم الخبراء ممن أعمل معهم.
والسؤال الذي يهمّني: لماذا تصمت وأنت ممتلئ؟
الجواب السهل أن تقول «تواضعاً».
لكنّ التشخيص الأصدق في سياقنا نحن، أعمق من ذلك: الخبير العربي الفاهم، ينظر للظهور الرقمي بوصفه رياءً واستعراضاً يُنقص من مقامه ومقام خبرته. بالتالي هو لا يصمت لأنه لا يملك ما يقوله؛ بل لأنه يظنّ أنّ قول ما يملكه ينتقص من وقاره.
وهنا أقول لك، في تراثنا العربيّ، حين يكون الخبير عالماً وفاهماً ثم يصمت، يصير كتم العلم عيباً أكبر من (التصدّر للجمهور قبل الأهلية). والأهليّة كانت تُتبَع بالبيان، لا بالاعتزال. وابن خلدون يقول في «المقدّمة» إنّ الحذق بالعلم وتحصيل مَلَكَته إنما يكون بالمحاورة والمناظرة، يعني أنّ معرفتك أنت أيضاً لا تكتمل في العزلة، بل تكتمل بالعرض والاحتكاك والنقاش.
فالظهور بخبرتك وفهمك ليس رياءً. إنّما تبليغ. والفرق بينهما ليس في الفعل، بل في ما تحته: من يسكب في دلوٍ ممتلئ يبلّغ ويُفيد الناس، ومن يسكب في دلوٍ فارغ يستعرض. أنت من النوع الأول، وقد آن أن تعرف ذلك.
أمّا أنا فأختم بما لا أتراجع عنه: الخبير الذي امتلأ دلوه ثم صمت، لا يُحرَم هو من الظهور فحسب، بل يحرم المجتمع العربي من المرجع الذي كان يستحقه. في فراغٍ حصّته من محتوى الانترنت 0.6%، صمتك أيها الخبير العربي ليس تواضعاً، إنّما مساحةٌ تتركها لمن لا يفيد الناس بل يُشتّتهم.
فإن كنت من الحالة الثانية، فاسمعها مني بوضوحٍ كافٍ: عليك أن تبدأ لأجلك، ولأجلنا جميعاً.
أمّا عن كيف تبدأ، من أين، وبأيّ منشور، وكيف تتميّز كخبير على لينكدان؟ فهذا موعدنا في المقال القادم.
أتمنّى لك التوفيق
