لماذا تحصل على 1000 تفاعل و 0 عملاء؟

بقلم:
أسماء الخالدي

"أنشر باستمرار، وأحصد تفاعلاً ممتازاً، كل المؤشرات تقول أن المحتوى يعمل، لكنني لا أُغلق أي صفقة لماذا؟"
يسألني الخبراء هذا السؤال باستمرار، في الحقيقة إحصائيات التفاعل ليست مؤشرات دقيقة، السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان في العادة: "كيف أحصل على وصولٍ أكبر؟". لكني أريدك أن تسأل السؤال الأصحّ: "إلى من أريد أن أصل؟ ولماذا؟"
المشكلة في الغالب ليست أن الخبير ضعيف، بل في استراتيجية الخبير التي يُبنى عليها المحتوى، إذ أن الوصول بحد ذاته لا يكفي بل يحتاج إلى هدف. أنت تريد عملاء وفرص، لكنك لا تفعل الأشياء التي تجلب العملاء والفرص.. ما عليك، سألخص لك علاقتك مع العملاء في 3 مستويات:
المستوى الأول: الوصول للعميل الصحيح (تمركز ثم تأثير)
الوضوح يسبق الاستمرارية وكمية المحتوى، الهدف أن تتعب أقل وترى نتائج أفضل، تحتاج يا عزيزي الخبير، أن تُحدّد ما الذي تبيعه حقاً؟ والإجابة الشائعة التي أحصلُ عليها عادةً حين أسأل هذا السؤال هي اسم الخدمة ونوعها: استشارات، تدريب، برامج، تحوّل مؤسّسي. لكنّ العميل لا يهمه الاسم، يهمه النتيجة ويهمه حل مشكلته.
القاعدة ببساطة:
كلما كنت أوضح وأسهل تزداد سرعة علاقتك مع العملاء، والوضوح هنا لا يُقاس بالشهرة دائماً.
اسأل نفسك:
ما الكلمة أو المشكلة أو النتيجة المحددة التي يعرفك الناس بها؟ وما مدى إجماعهم عليك فيها؟
بمجرد أن تعرف (ما تريد أن يعرفك الناس به) ستبدأ بترتيب كل شيء على هذا الأساس.
التفاعلات على اختلافها: الإعجاب، المشاركة، التعليق، والوصول، هي مؤشّرات لانتباه المستخدم لحظيّاً واهتمامه بالموضوع، وهو ما نسميه "اقتصاد الانتباه"، لكن ذلك لا يدل على قراره الشرائي بالضرورة.
هذا التفاعل لا يكفي لبناء عمل حقيقي، فمن يتفاعل قد لا يحتاج خدماتك. وهنا تخدعك الأرقام، والأخطر أنها قد تبعدك عن الهدف، لأنك مع الوقت وانتشار محتواك ستظن أن من يتفاعل معك هم جمهورك الذي تريده، وأنهم مستعدون للعمل معك!
تأثير الخبراء ليس جذب الانتباه والحصول على مشاهدات (اقتصاد الانتباه)، التأثير الحقيقي هو المبني على الولاء والثقة والخبرة، وهذا ما أسميه "اقتصاد الثقة"، لينكدان ذاته بدأ ينحاز إلى اقتصاد الثقة، ولا يُكافئ الذين ما زالوا يلعبون في اقتصاد الانتباه بدون هدف واضح.
لهذا، أنا لا أنظر إلى التخصّص بوصفه تكتيكاً تسويقيّاً. بل بوصفه ضرورة.
أنت تختار بإرادتك أن تكون نافعاً لمن يحتاجك فقط، تتخلّى عن وهم أنّ الكلّ يمكن أن يكون جمهورك، وتتصالح مع أنّ من لا يحتاجك لن يتفاعل معك، وهذا شيء جيّد، لأنّ محاولة كسب انتباه من لا يحتاجك ستجعلك تخسر انتباه من يحتاجك فعلاً.
الهدف هنا أن يُحقق (محتواك وسلوكك وعلاقاتك) التطابق بين:
نوعية القيمة التي تُقدّمها (خبرتك)
الجمهور المهتم بهذه القيمة
ولينكدإن يدعم بناء تمركزك من خلال المحتوى، في 2026 أطلقت لينكدان تحديثها للخوارزمية "360Brew"، الذي يستطيع فهم المعنى وراء ما تكتبه، يحلّل شخصيتك وسلوكك على المنصة عبر ملفك الشخصي وتفاعلاتك مع الآخرين، والأهم أنه يُحاكي الحُكم الإنساني على محتواك.
ما يهمك هنا، هو أنك تستطيع الوصول بدقة عالية جداً لمن يحتاجك على المنصة من خلال:
الكتابة المُتخصصة التي تخاطب نوعية القارئ المهتم بموضوعك فقط، وهنا يصل محتواك مباشرة لهذا القارئ، وستلاحظ أن أغلب من يتفاعلون لديك هم بالضبط من تريدهم.
الثبات على مواضيع المحتوى التي تدور حول تمركزك وتخصّصك. إذ أنّك تنتقل هنا من المراهنة على تسارع انتشار المنشور نفسه، إلى تراكم الثقة والعلاقة مع مجتمع المهتمين بك، وهؤلاء من يمكنك العمل معهم.
بعد أن تصل إلى التركيز مع نوع عميل مثالي، ستتمكن من التعمق تدريجياً في فهم هذا العميل وتحليل مشاكله، وهذا سيؤدي مباشرة إلى رفع قيمتك (خبرتك).
المستوى الثاني: بناء الثقة والعلاقة (التأثير الصادق)
أول خطوة هي أن تكون صبوراً في التسويق، ابحث عن النجاح طويل المدى، من خلال المحتوى طويل المدى، مع عميلك المثالي الذي يعيش علاقة طويلة المدى معك قبل وبعد البيع.
أنت لست في سباق مبيعات، تجنب مفاهيم مثل: الوقت المثالي للنشر، ومجموعات الدعم، فهذه الأمور تضرك على المدى الطويل حيث ستُنهك نفسك دون نتيجة مستدامة، وحتى على المدى القصير، لم تعُد تعمل على لينكدإن، الحلول السريعة تدفع ثمنها لاحقاً من ثقة جمهورك وعملائك.
الخبير المؤثر يبدأ بوصول منخفض، لكن بجودة أعلى للجمهور، فيحصل على أمور أهم من التفاعل اللحظي، وهي نوعية العلاقات والفرص. ناهيك عن أنّك ستبدأ بعد فترة بالانتشار أكثر والوصول لجمهور أوسع مُهتمّ بخبرتك؛ بسبب الاستمرارية في تخصصك الذي اخترته، لأنّ هذا الاتجاه هو أفضل تعبير عن خبرتك ووضوحك وثقتك بما لديك.
من هنا تبدأ ثقة جمهورك بك، وهذا ما سيرفع قيمتك كمرجعية معرفيّة على المنصة.
في بحث تم نشره بالتعاون بين لينكدان ومعهد إيهرنبرغ-باس الأسترالي، توصلوا إلى قاعدة "95:5" وخلاصتها أنك إذا درست السوق أيّ لحظة زمنيّة، ستجد أنّ 95% من عملائك المحتملين ليسوا في وضعية شراء، وفقط 5% جاهزون ويبحثون ويقارنون ومستعدّون للدفع… تتفاوت هذه النسبة حسب القطاع الاقتصادي، لكن دائماً كانت الأغلبية لا تبحث عن الشراء الآن.
ما أستخلصه من الدراسة:
البيع المباشر قد يكون مفيداً لكونه سريعاً، لكنّ هؤلاء الـ 5% من العملاء هم جاهزون بالأساس للشّراء، وجهدك يجب ألا ينصبّ بالكامل عليهم، بل إنّ الأولوية لديك كخبير هي أن تهتم بالـ95% غير الجاهزين من جمهورك المستهدف (ركّز معي: جمهورك المستهدف وليس الجمهور العام)، وألّا تتجاهلهم وتضحّي بهم من أجل محاولة البيع السريع للـ5% الجاهزين!
العملاء موجودون أكثر مما تتوقع إذا أخذت بعين الاعتبار غير المستعدين للشراء، وهذا يجعلك تعمل بثقة وهدوء أكبر بدون الخوف من ضياع الفرص. فهمك للعميل ومشكلته ستقودك إلى رؤيته في مراحله الأولى قبل أن يحتاجك، فتعرف ماذا يحتاج كي يثق بك ويستعد للخدمة، ثم تبدأ بتكوين محتواك الذي يبني الثقة وليس الذي "يبيع".
نافال رافيكانت يقول:
"إذا كنت في مجال البيع، فعملك ليس البيع، إنما بناء الثقة"
العميل الجادّ، في الغالب: يقرأ بصمتٍ لأشهر ربما، يحفظ المنشور، يراقبك من بعيد، يسأل عنك، ثمّ بعد فترة يتواصل معك ويسألك عن خدماتك. دورك كخبير أن تقلل عليه المخاطرة وهذا يتطلب ألا تحاول أن تبيعه بسرعة لأنه يبحث عن الأمان والثقة، أما قرار العمل معك فلا يأتي فجأة.
المستوى الثالث: الاحتفاظ والثقة بالعلاقة
المعادلة ببساطة: قيمة أعلى = فرص أفضل.
بالمستوى الأول ترفع قيمة الخبرة بالتخصص قبل التوسع، بالتالي ترفع جودة التفاعل حيث تجذب تفاعل الأشخاص الأهم (حسب جمهورك المستهدف أيضاً).
هذا ينعكس على محتواك مباشرة، فيصبح يحل أهم المشاكل لدى عميلك وليس أشياء سطحية أو مشتتة، من يقدم قيمة أعلى حتماً سينجح أكثر على المدى البعيد، تأكد أن العميل عندما يحتاجك يجدك في محتواك تخاطب نفس الاحتياج.
وبالمستوى الثاني ترفع قيمة العلاقة مع جمهورك بالتأثير الصادق قبل البيع.
وهذا يطمئن العميل ويساعده على الانتقال إلى الـ5% المستعدين للشراء (حسب الدراسة)، وهذا يتطلب الحفاظ على الثقة بينك وبين العميل من خلال:
الاستمرار طويل المدى على الاستراتيجية التي تجمع التمركز الصحيح مع التأثير الصادق.
إتاحة الفرصة للعميل أن يتفاعل معك عن قرب أكثر من خلال المحتوى العميق، المقالات، الندوات الرقمية والحضورية، التواصل المباشر، الجلسات الاستكشافية، وهكذا.
في نهاية المقال، أدعوك أن تراجع نظرتك للشهرة على المنصة، أن تكون مشهوراً لا يعني بالضرورة أن الشهرة فقط للأشياء السطحية، فالمنطقة العربية الآن بكل مكوناتها تتجه إلى تقدير العلم والثقافة والريادة، وهذا يعني أن الخبير يستطيع ان يكون مشهوراً بخبرته وتأثيره وقيمته في المجتمع، وهذا بالضبط ما أدرّب عليه عملائي على المدى الطويل.
أتمنى لك التوفيق!
